بأقلامهم

الميراث الناعم

لم يعد الميراث قاصراً على الاموال والممتلكات كما نظن، بل تعدى حدود المادة وعبر بنا الى ما بعد المألوف وأصبح الميراث الأن يشتمل على اللغة والثقافة والفنون هكذا حدثنا عالم الأحياء الفرنسى جان باتيست لامارك منذة قرابة الثلاث قرون وزاد علية إرنست ماير عالم الأحياء أمريكي الألماني المولد، مشيراً بدقة الى أن الميراث الناعم هو العملية التى يتم بموجبها تخزين الظروف البيئية الحالية فى المواد الوراثية للكائن الحى ثم نقلها الى ذريته، مستعيناً بنظرية لامارك فى تأثير الظروف أو القوة التكيفية وهى تكيّف الكائنات الحيّة مع بيئتها، و هذا يمكن أن يحرّك الكائنات الحيّة من أعلى سلّم التقدّم و إلى أشكال جديدة ومميزة مع التعديلات المحليّة، كما يمكن أن تدفع الكائنات الحيّة إلى الأزقّة العمياء.
فالوراثة ليست مقصورة على الصفات الجينية الوراثية فقد ولكنها تشمل الميراث اللاجينى والسلوكى والرمزية، أما اللاجينى فهو يهتم بدراسة الإختلافات الوراثية ويقر العلماء فى هذا الشأن، أن الإختلافات الوراثية حتى فى ظل التوترات هى ليست عشوائية ويمكن التنبؤ.

وأما الرمزية هى عمليات النقل الرمزى وتتمثل فى اللغة البشرية والموسيقى والفنون البصرية والتقاليد الانسانية، والسلوكية هى مقدار ما تم نقله من جيل الى آخر بعد أن دأب الجيل الأول على إتيان تلك السلوكيات حتى أصبحت عادة وليست فعل.

كنا قد أشرنا من قبل فى المقالات السابقة عن عن مايسمى تحور القيم وهو تغير سُلم القيم بإحلال الرذائل محل الفضائل والدفاع عنها علانية حتى تظن أن المتمسك بالفضائل هو المخطئ والغريب…حقاً الأمر مثير للدهشة كيف للأغلبية اليوم يستمتعون بما هو منافى للثقافات والأعراف، ويرجحون كفة المهرجانات و فنان العشوائيات ولا يقدرون قيمة عمر خيرت أو الفن الهادف الايجابى.

المعضلة ليست خاصة بنا يا سادة الأن، الأمر خاص بالأجيال القادمة، هل هذا ما سيتم توريثه لهم، هل تلك الافعال التى أصبحت عادات وتقاليد لشرائح عدة بالمجتمع هى التى نقدمها لأبنائنا كقاعدة يتم البناء عليها بناء ثقافى جديد، هل يدرك الأباء والأمهات والمؤسسات التربوية مقدار الخطر الذى يفتك بالأجيال القادم؟؟!

الأمر ليس مقصوراً على التقليد أو التفاعل بل أصبح فى مصفوفة الموروثات، فلن يُجدىِ التوجيه أو العقاب أو حتى تمثيل النفور بل لابد من تغيير عاداتنا السيئة الحالية، يجب أن نعيد ترتيب أهتماماتنا ونعيد صياغة ثقافتنا الى ما كانت عليه فى نشأتها الأولى… لم يعد الأمر قاصراً على أن يتوقف الأب عن التدخين من أجل أن يحافظ على ولده من محاكاة الفعل ولم يعد الأمر قاصراً على أن نتشدد فى قوانين البيئة من أجل تحسين الصفات الوراثية الصحية للمجتمع، بل أصبح الأمر يشمل دور وزارة الثقافة والاعلام والمؤسسات التربوية والأسرة حتى نحارب الرذائل التى أصبحت عادات الأن حتى نعيد للمجتمع إتزانة الثقافى وترميم هويته.

الوضع اليوم أصبح خطير فعدد مشاهدات أغنية واحدة من أغانى المهرجانات وأغنية واحدة لمحمد رمضان مجتمعين تخطت المائتين مليون مشاهدة وأعمال المايسترو عمر خيرت والفنان عمرو دياب والكنج محمد منير ونخبة من عظماء الفن مجتمعين لم تتخطَ الخمسين مليون مشاهدة.

أما غداً، و على هذا النحو فمن الممكن أن نستمع للمهرجانات ورمضان داخل أروقة دار الاوبرا المصرية العريقة أو فى محكى القلعة ولما لا فكلاً منا لا يهتم إلا بنفسه اليوم فقط ولا يبدى إهتماماً بالمجتمع غداً.
“شر الناس هو ذلك الذي بفسوقه يضر نفسه، والناس” أرسطو

بقلم :
نور الشيخ

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق