بأقلامهم

سد النهضة.. هل ستستطيع واشنطن تسوية النزاع؟؟

لقد أدركت مصر، عدم الجدية لدي الطرف الإثيوبي في المفاوضات الطويلة، وأن المفاوضات العبثية من المحال أن تفضي إلي نتائج ملموسة ، تفضي إلي نقطة الذروة لهذه  المفاوضات، وهي المرحلة التي يصل فيها الأطراف المتفاوضة إلي نقطة تمثل بالنسبة لهم مستوي معقول، لإبرام الاتفاق الفني التفصيلي للاتفاقية الإطارية التي وقعت في الخرطوم في 23 مارس 2015.

تيقنت مصر أيضا أن هذه المفاوضات لا تعدو إلا استنزافا للوقت من الجانب الإثيوبي، والذي يهدف في أول الأمر وآخره إلي جعل سد النهضة أمرا واقعيا ينتهك كافة المبادئ والقواعد القانونية المتعلقة بالانتفاع المنصف المعقول بمياه المجاري الدولية  في غير أغراض الملاحة.

لقد وصل التعنت الإثيوبي مبتدأه ومنتهاه، حين صرح المفاوضون والمسؤولون الإثيوبيون أن إثيوبيا تملك النيل الأزرق الجاري في إقليمها، ولها أن تنشئ ما شاءت من مشاريع هندسية علي النيل الأزرق، وبغض النظر عن الاستخدامات السارية لباقي دول حوض النيل من مياه النهر، تأسيسا علي النظرة البائدة التي أطلق عليها فقهاء القانون الدولي في العهود الغابرة: “نظرية السيادة المطلقة”، بالرغم من صيرورتها أطلالا مهجورة أسدلت  عليها ستائر البطلان منذ بدايات القرن العشرين.

كانت مصر قبل الانسداد الأخير  في الخرطوم ،ناشدت  المجتمع الدولي دولا ومنظمات دولية، كي يساعد مصر دولة المصب لنهر النيل والمتعايشة علي النهر منذ فجر البشرية، وترعرعت حضاراتها المختلفة علي ذلك النهر، لأجل التدخل التوسطي لحلحلة الموقف المأزوم المتمثل في إخفاق الدول الثلاثة في إبرام اتفاقيات دولية فنية ملزمة مؤسسة علي اتفاقية إعلان المبادئ المبرمة في مارس 2015في الخرطوم ، تتناول المسائل الفنية العالقة حتي اللحظة الآنية، والمتعلقة بقواعد الملء والتشغيل لسد النهضة الإثيوبي.

إن مصر بوصفها الطرف المتضرر من المفاوضات الماراثونية التي بدأت منذ عام 2018، يرخص  لها القانون الدولي، أن تستدعي في أي لحظة طرفا وسيطا بهدف تسهيل المفاوضات أو لتجنب فشلها، أو يضمن تحقيق الهدف الرئيسي من هذه المفاوضات.

إن التزام الدول  المتفاوضة بالتفاوض بحسن نية لا يعني حرمانها من حقها وحريتها في وقف أو قطع أو إنهاء المفاوضات، ولكن يشترطان تكون هناك أسباب معقولة وحقيقية لهذا التصرف.

وفي حال شعر المتفاوضون بعجزهم عن حل النزاع القائم عبر المفاوضات، تعين عليهم أن يكللوا مفاوضاتهم بالاتفاق علي اختيار وسيلة سلمية لتسوية النزاع.

تلقفت الإدارة الأمريكية الدعوة  المصرية ووافت السودان وإثيوبيا علي الاجتماع المرتقب في واشنطن في السادس من نوفمبر ولكن الأهم في كل هذه الملحمة، اشتراك البنك  الدولي للإنشاء والتعمير في هذه المباحثات التسهيلية في واشنطن، بعد الرفض السابق الثنائي الإثيوبي السوداني للمقترح المصري بوساطة البنك الدولي بين الدول الثلاثة.

سياسيا، من  المهم الإشارة إلي أن  كلا من مصر وإثيوبيا شريكين مهمين في القارة الإفريقية للولايات المتحدة الأمريكية في  كثير من المجالات، يصعب حصرها، و يخطئ من يزعم أيا من الدولتين مصر أو  إثيوبيا يحظى بمركز تفضيلي أمريكي علي حساب الدولة الأخرى، ويتيح ما تقدمه واشنطن من مساعدات كبيرة للطرفين، إضافة لمكانتها المؤثرة داخل المؤسسات المالية الدولية الرئيسية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ثقلاً لا تستطيع القاهرة ولا أديس أبابا تجاهله.

ويُعد الحياد حجر الزاوية في الوساطة، وينبغي أن يكون الوسيط قادرًا على إدارة عملية متوازنة يتم فيها التعامل مع جميع الجهات الفاعلة بشكل منصف، وينبغي ألا تكون له مصلحة مادية في النتيجة.

ويتطلب ذلك أيضًا أن يكون الوسيط قادرًا على التحدث مع جميع الأطراف الفاعلة ذات الصلة بحل النزاع.

 إن وسطاء المنظمات والهيئات الدولية –ومنهم البنك الدولي-  يضطلعوا بعملهم على أساس الولايات التي تحددها قواعد ونظم تلك الهيئة التي تعينهم.

وبالتالي؛ فإن وسطاء منظمة الأمم المتحدة يعملون ضمن سياق ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة.

ويُسيِّر الوسطاء عملهم أيضًا ضمن الإطار الذى تنشئه قواعد القانون الدولي التي تحكم الوضع المعين، وأهمها في خصوص سد النهضة الإثيوبي: الاتفاقيات العالمية والإقليمية المعنية باستخدام  المجاري المائية الدولية في غير أغراض  الملاحة.

إن الخاصية المميزة للوساطة هي أن مجال حرية التحرك فيها مفتوحة لأقصى درجة، الأمر الذى يجعلها مصدرًا للمساوئ أو حتى المخاطر، فغياب قواعد محددة لهذا النوع من الإجراءات لا يمنح أطراف النزاع الضمانات التي تنتج عن كيفية تعامل الوسيط مع الأزمة، وتترك المجال مفتوحًا لمبادرة وعمل هذا الوسيط.

وبالإشارة إلى النزاع القائم بين الدول الثلاث أطراف اتفاقية إعلان المبادئ لسد النهضة، وبالرغم من إلزامية هذه الاتفاقية المحددة لمبادئ الانتفاع المنصف المشترك لنهر النيل بين الدول الثلاث.

لكن من المؤكد أن الحلول التي سيقترحها أي وسيط مرتقب في هذا الصدد ستكون حلولا سياسية توفيقية- باستثناء الوساطة  المهنية للبنك الدولي للإنشاء و التعمير ترتكز على الحد الأدنى من التنازلات التي يقدمها أطراف النزاع القائم.

ويتيح ما تقدمه واشنطن من مساعدات كبيرة للطرفين، إضافة لمكانتها المؤثرة داخل المؤسسات المالية الدولية الرئيسية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ثقلاً لا تستطيع القاهرة ولا أديس أبابا تجاهله.

صفوة القول، وتأسيسا علي ما طرحناه بخصوص ما يميز  الوساطات التي تمارسها  المنظمات و الوكالات  الدولية، فان منظمة  الأمم المتحدة تدليلا، أصدرت توجيهاتها  العامة لوسطاء المنظمة بضرورة الانحياز إلي مبادئ وقواعد القانون الدولي, ولذلك  جهود فالبنك الدولي يعد الوسيط  الدولي المتخصص، الذي يستطيع أن  يؤكد صدق الآراء التي تذهب إلي أن: الوساطة  المنحازة يمكن أن  تكون علي  صلة بقصر مدة  النزاع، و أن الوساطة المحايدة علي صلة  بطول هذه المدة.

الدكتور أيمن سلامة

أستاذ القانون الدولي العام

اقرأ أيضا

ترامب يعقد اجتماع ثلاثي مع مصر واثيوبيا والسودان لحل ازمة سد النهضة

هل تتأثر مصر في حال إنهيار سد النهضة؟.. خبير مائي يجيب على السؤال الأصعب

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق