بأقلامهم

محمد السمالوسي يكتب: الثانوية العامة والذكاءات المتعددة

محمد السمالوسي يكتب :

الثانوية العامة مرحلة مهمة، وأهميتها تمّ اكتسابها من أن المجموع سيحدد لك الوجهة التي ستخطو فيها الطريق دون نظر لرغباتك ومواهبك ونوعيات ذكاءاتك.

سيقدمونك إلى مصيرك، ويدفنوك في طريق ومقبرة نفسية، وسجن عنصري في مكتب التنسيق، فنصف درجة قد ترفعك وقد تخفضك، وبنصف درجة قد يضيع حلمك الدراسي.

وعندما تقدّمت بي الخبرات والاحتكاكات وجدت أن المبالغة في الاحتفاء بدرجات الثانوية العامة، هراء اجتماعي، ضيّع الكثير من قدرات الأبناء، ووأد ذكاءات كان يمكن استغلالها في تحسين الأوضاع والأحوال.

وأدركت أيضًا كمية العبث الاجتماعي، عند المقارنة بين الطلاب، غير مدركين لمفهوم الفروق الفردية، وهذه كلها مفاهيم وثقافات يبست أحلامًا، ويتمت طموحًا، ودفنت مواهب.

وبما أني أؤمن أن المبالغات في الاحتفاء بالثانوية هراء، فأؤمن أيضا أن كل طالب لديه قدر معين من الذكاءات تختلف عن غيره في درجتها، والثانوية العامة لا تقيس إلا ذكاءات وقدرات محدودة جدا، ذكاء التحصيل الدراسي والمذاكرة والحفظ والتفريغ والعرض.

في أواخر السبعينات وأوائل الثمانيات، توصل هوارد جاردنر إلى نظرية الذكاءات المتعددة، عارضا فيها أنواعا جديدة من الذكاءات والقدرات، رافضا أن يكون التصنيف الأكاديمي المحك في تصنيف المجتمع إلى أذكياء وأغبياء، ولكن يمكن اعتباره أحد المحكات…

وعرّف جاردنر الذكاء في كتابه (أطر العقل) بأنه«هو القدرة على حل المشكلات أو خلق أو ابتكار نتاج أو تقديم خدمة ذات قيمة في الثقافات المختلفة ثم القدرة على اكتشاف أو خلق مشكلات ومسائل تمكن الفرد من اكتساب معارف جديدة»، ومن هذا التعريف يمكن القول أن من لديه نجاحا ما في مجال ما، فهو ذكي، فالنجار في نجارته ذكي، والميكانيكي ذكي وعبقري، والنقاش ذكي.. ومعظمهم لم يتلقوا تعليما أكاديميا، ولكن انظروا إلى صناعتهم وعبقرياتهم وتحفهم الفنية.

وقسم جاردنر الذكاءات إلى ثمانية أنواع: الذكاء اللغوي، الذكاء المنطقي، الذكاء الموسيقي، الذكاء الطبيعي، الذكاء الوجودي، الذكاء الشخصي، الذكاء الاجتماعي، الذكاء الحركي.

لايخلو أي إنسان من هذه الأنواع جميعًا، ولكن مع اختلاف في الدرجة بين شخص وأخر، فقد تجد الطالب ذكي في الرياضة ولكنه متوسط في اللغات، وضعيف في العلوم، وقد تجد الطالب ذكيا في جميعهم، فالذكاء تحفيزه له عوامل تربوية ونفسية وبيئية ووراثية، وقد تجد أخرًا لا يوجد أي استعداد لاتربوي ولامادي ولاأسري ولابيئي، ومع هذا ذكيا نابها عبقريا#، فهذا استثناء واصطفاء من الله لا يقاس عليه.

فالذي نود قوله هو أن المجتمع عليه أن يكف عن هذا العبث والمراهقات الطفولية، ونظام المكيدة والفشخرة الاجتماعية..وتبحث كل أسرة عن ذكاءات وقدرات أولادها بعيدا عن التأثيرات الاجتماعية، ولايقارنهم بغيرهم، فابنك الذي حصل على 70% ليس غبيا بل ربما يكون متميزا جدا في الذكاء الاجتماعي والتواصل مع الناس وبناء علاقات اجتماعية فحاول تنميتها، وبنتك التي حصلت على 100% هي ذكية في تحصليها ولكن ربما تكون ضعيفة في الذكاء الشخصي في فهم نفسها وذاتها وسلوكها، فحاول تدريبها؛ بالإضافة إلى القدرات الإبداعية والابتكارية والمواهب، فهذه كلها مؤشرات أخرى لا علاقة لها بالمجموع، ومحكات لن تفهمها إلا المجتمعات المتقدمة الحضارية.

وختاما أقول:
لايوجد إنسان فاشل أو إنسان غبي بل يوجد مجتمع غبي في معاييره ومقاييسه.

زر الذهاب إلى الأعلى