احنا الطلبة

رواية “صلوات تبتية” بالعربية مقدمة من بيت الحكمة

صدر حديثا عن مجموعة بيت الحكمة للثقافة رواية “صلوات تبتية” للأديب الصيني الشهير تسي رنلوهبو، نائب رئيس اتحاد الكتاب التبتيين ورئيس تحرير مجلة “الأدب التبتي” بالصين. وترجمته إلى العربية، هند المحلى محمود الحاصلة على الدكتوراه من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية. والرواية صادرة باللغة الصينية عن دار الشعب للآداب الصينية وتقع في 526 صفحة من القطع المتوسط.

تلقي الرواية الضوء على منطقة مجهولة جغرافيا وتاريخيًا من الصين، وهي منطقة غير مألوفة للقارئ العربي، وتثير داخله شعورا مبهما بالسحر والغموض. ويتوازى بالرواية مساران سرديان، يروي المسار الرئيسي التغيرات التاريخية للتبت على مدار الخمسين عامًا الماضية، وتحول بطل الرواية (جين مي وانغ تشا) من شخصية الراهب إلى العلماني، ويصف التمرد المسلح للمتشددين، والإصلاح الديمقراطي، ونشوب الحرب بين الصين والهند، وغيرها من الأحداث التاريخية الكبرى لتاريخ التبت.

ومع الصعود والهبوط في مصير العديد من الشخصيات الصغيرة، تعرض الرواية النظرة التبتية حول مفهوم الموت والحياة وفهم وتجاوز المعاناة المتعلقة بحياة المعلم البوذي. بينما يسرد المسار الفرعي محاولة بطل الرواية الالتزام بتعاليم المعلم، على الرغم من التحولات الكبيرة في حياته وفقدان المعلم وعائلته والمعاناة التي تعرض لها من قبل أقرب الأصدقاء وزوجته، وبين قبول التغيرات السياسية التي طرأت على التبت مع الاحتفاظ بتعاليم البوذية التي كانت تتعارض مع هذه التغيرات، والبقاء على تواصل مع طبقة النبلاء التي شاركت في التمرد المسلح ضد الحزب الشيوعي الصيني والإصلاحات الديمقراطية، الأمر الذي ألقى به إلى التنديد العلني وفقدان ابنته وعاش بعيدا عن زوجته حتى رحيلها.

وفي النهاية يرى إشارات اقتراب أجله في أحلامه؛ فيترك كل شيء ويذهب إلى منصة الدفن السماوي ليتخلص من قيود الجهل في سبيل الوصول إلى الحقائق النبيلة الأربعة للبوذية، والتحرر من كل المعاناة والاستعداد للعالم الآخر بقلب نظيف، حيث يقول تسي رنلوهبو في تقديمه للرواية: “هل سبق لك أن سمعت صوت مزمار النسر؟ فهذا الصوت بإمكانه أن يُذيب عظام الإنسان ويفصل روحه عن جسده. هل تعرف أن النسر عندما يشعر بمرحلة الاحتضار، يغادر القطيع ويرفرف إلى الأعالي، حتى تحرق أشعة الشمس القوية أجنحته، وتحولها إلى كرات من النيران تتناثر في السماء، ثم تسقط على الأرض دون أي أثر. هل حضرت جنازة؟ فمراسم الجنازة في التبت محاطة بأدخنة التوت، وأصوات رنين طبلة زاما، التي يحملها الراهب، مثل أصوات الكتاب المقدس الممتدة القوية، وهذا المشهد يولد عند المشيعين مشاعر حول الحياة وتهذيب القلب ليصبح نقيًا وهادئًا.

والأديب الصيني تسي رنلوهبو هو كاتب من قومية التبت، ولد في مدينة لاسا بمقاطعة التبت، وتخرج في قسم الأدب التبتي بجامعة التبت، وحصل على بكالوريوس الأدب التبتي عام 1986، ثم عمل في قسم التحرير بصحيفة التبت اليومية.

وجدير بالذكر أن مؤسسة بيت الحكمة قد أصدرت من قبل النسخة العربية من ديوان “هوية” للشاعر الصيني الكبير جيدي ماجيا، أحد أهم الشعراء الصينيين المعاصرين، ونائب رئيس اتحاد الكتاب الصينيين، وهو الديوان الذي تُرجم لثماني لغات مختلفة، وصادر باللغة الصينية عن دار الشعب للآداب الصينية وترجمته إلى العربية دكتورة شيماء كمال أستاذ اللغة الصينية بجامعة بدر، وحرره وقدم له، الكاتب والشاعر أشرف عويس، ويقع الديوان في 484 صفحة من القطع المتوسط.

ينتمي هذا الديوان إلى أدب السيرة، وهو عمل أدبي اعتمد فيه الشاعر على المزج بين السيرتين الذاتية والغيرية، فهو شاعر غارق في “الأنا” ينقل نقلاً مباشرًا من داخل الذات معتمدا على استرجاع ذكرياته، يعمل على سبر أغوار ذاته وكشف ما يجول فيها، ويقدم من خلاله بيوغرافيا لذاته وقوميته حيث حكى عن أفراد أسرته ورجال ونساء قوميته كما حكى عن معتقداتهم ولغتهم وترانيمهم وموسيقاهم وحيواناتهم، ثم خط دربًا آخر وهو درب السيرة الغيرية فكتب الكثير من القصائد عن أدباء وأعلام شاركوا في تكوين وتشكيل وجدانه، وهو كشاعر السيرة الغيرية قد تمكن من وصف أحاسيس شخصيات تعمد أن يأتي على ذكرها ويقص انفعالاتها، ويبدو هذا واضحًا من خلال إهداءات قصائده؛ فقد أهدى قصيدةً “إلى الهنود الحُمر” ويتحدث فيها عن حضارة المايا، ويهدى قصيدته “عنزة جبلية” إلى أومبرتو سابا الشاعر الإيطاليٌّ الشهير، كما يوجه قصيدةً أخرى إلى أعداء سالفاتور كوازيمودو الحاصل على جائزة نوبل في الأدب. أما قصيدته “أنشودة مهداة للقوميَّات” فكانت بمناسبة يوم الأمم المتحدة العالمي للسكان الأصليين، كما كتب قصيدةً تحمل عنوان “فلاش باك للقرن العشرين” على شرف نيلسون مانديلا.

أما قصيدة “هوية” التي تحمل عنوان ديوانه وتجربته الشعرية بكاملها، فقد أهداها للشاعر الفلسطيني محمود درويش، يقول فيها:
“أناس أضاعوا هويَّتهم، لكني لم أفعل/ اسمي جيدي ماجيا، وتعوَّدتُ أن أستذكر عِلم أنساب عشيرتي/ قبل ميلاد هذي الملحمة/ قطرات دم النسر السحري نبعت من سماء الصمت/ وذاك الأثر، أثر الروح، قد يمكّننا أن نجد دربنا من بين ظُلمة الذكريات”.

وهنا يجد قارئ الديوان أنه أمام شاعر حقيقي، ينتصر للإنسانية الخالصة، ويبعث برسائل دعم واضحة إلى من يعيشون مآزق إنسانية، سواء على مستوى أوطانهم أو حتى على مستوياتهم الشخصية، أيًّا ما كان موطنهم أو عرقهم أو دينهم.

أما قصيدة “فقط لأنّ” وفي تجسيد لرومانتيكية الشاعر التي عمد خلالها إلى المزج بين أرضه ونساء قوميته فيقول فيها:
لنتفهَّم..
كيف لكل امرأةٍ أن تُعلن أفكارَها
بهارمونيكا وورقةِ شجرٍ
ولو أُجهِدَت تلك النّسوة؛
يمكنُهنَّ أن يتَمدَّدن على حدود أحلامهنّ،
ويبقينَ مُطمئناتٍ غافياتٍ
كلُّ هذا فقط.. لأنَّ هذي الأرضَ لنا!

ويقول في قصيدة “يوم خريفي”:
أفتَقدُكِ بِفينيسيا
لم تَتمكَّني من الوصولِ،
وفَلْسَفتِ الأمر قائلةً:
“ربما في مَملكةٍ أُخرى،
حيثُ كل نافذةٍ
تَستقبلُ دفقةً من ضوء الشمس!”
العاطفةُ لا تُصاغ بالكلماتِ،
كهمْسِ المدِّ عند التقاء النهرِ بالبحر.

ويمثل تراث قوميته وخصوصيته المنبع الرئيسي الذي استقى منه الشاعر الكثير من أفكار قصائده وروحها، كما أنه يمثل البوابة الأولى التي تتيح للقارئ الدخول إلى عالم الشاعر من أوضح الطرق وأيسرها. لذا فإن جيدي ماجيا صاحب تجربة ذات خصوصية، لكنها ربما تمثل إشارة بسيطة تُعين على دخول هذا العالم لمن تسنح له فرصة الاطلاع على تجربة تمثل إضافة مهمة للأشعار المترجمة إلى العربية.

وبقصائد ديوان “هوية” الصادر عن بيت الحكمة، عمد الشاعر جيدي ماجيا إلى تقديم أسلوب متفرد حيث تحدث إلى قارئه كثيرًا، ووجه إليه الحديث وجعله شاهدا على حياته وأيامه، وتطغى مشاعر الحب والإيمان بالوطن داخل ذاته وكذلك يوقن بانتمائه إلى قومية أقلية تنتمي لثقافة خاصة متفردة، ومن خلال منصبه كنائب رئيس اتحاد الكتاب الصينيين وتناغمًا مع المسار الثقافي لمبادرة الحزام والطريق يعمل على نشر الصورة الحقيقية للثقافة الصينية من أجل فهم أفضل للصين، والتعريف كذلك بقوميته لتعزيز التناغم الثقافي والتفاهم المتبادل بين القوميات والأعراق، من خلال معادلة راسخة مفادها أن “كل إنسان يعتز بثقافته، فإذا احترم كل إنسان قيم وثقافة الآخر سوف يصير العالم محيدًا متناغمًا لنا ولأولادنا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى