الآن

مكافحة التطرف المواجهة الصلبة والقوة الناعمة مقال لوحدة اللغة الإنجليزية بمرصد الأزهر

تتسابق الجهود الدولية والإقليمية لمواجهة ظاهرة التطرف التي باتت كالشبح المخيف يتخطف عقول الشباب ويودي بهم إلى الهلاك. وفي الوقت الذي يرى فيه الجميعُ ضرورة المواجهة “الصلبة” لتجليات هذه الظاهرة المقيتة، وما تُنتجه من ممارسات إرهابية وأعمال تخريبية على أرض الواقع، لا تزال الحاجة مُلحة للتعرف على المزيد حول هذه الظاهرة، من حيث الجذور والمسببات والنواحي العقلية والعاطفية لمن وقعوا فريسة في حبائلها.

يكاد يعترف الجميع أن القضاء على مآلات التطرف وتجلياته، من إرهاب وقتل وعنف وتخريب، من أسهل ما يمكن، فالمواجهة التشريعية والعسكرية، والتشديدات الأمنية وملاحقة الجماعات وأنصارها، ومتابعتهم ومحاصرة مواردهم المالية والبشرية، كلها تفي بالغرض، وهذا ما يسميه المتخصصون “المواجهة الصلبة”. لكن قد تنطفئ النار ويبقى الرماد ساخنًا، فتتحين فرصة الاشتعال مرة أخرى؛ لتكون أشدَّ اتقادًا وأحمى لهيبًا. ومن هنا ظهرت حتمية مواجهة ظاهرة التطرف بأسلوب آخر للقضاء عليها من جذورها، والإجهاز عليها في مهدها، وعدم الاقتناع بالسهل العاجل (المعالجة الصلبة). وفي سبيل ذلك، أُجريت الدراسات وأُسست المراكز البحثية، وقامت مراكز مكافحة التطرف وجمعيات تأهيل المتطرفين، وحملات التوعية وغيرها في سبيل تحقيق الغاية المرجوة، والقضاء على ظاهرة التطرف، التي تجرّع العالم مرارة تسكينها، وعدم مواجهتها بالجد والحزم.
ولقد وعى الأزهر الشريف هذا الأمر مبكرًا، فأسَّس مرصده لمكافحة التطرف، إيمانًا بضرورة “المواجهة  الناعمة” لهذه الظاهرة، التي إن استشرت فسيصبح العالم في ورطة كبيرة. ومع ما يقوم به المرصد من أعمال يحاول من خلالها إقامة سدٍّ منيعٍ يحول بين الأفكار المتطرفة وبين الشباب، فإنه يتابع عن كثب التجارب الدولية الأخرى، التي أثبتت نجاحًا باهرًا في هذا المجال؛ وكان من بين التجارب الجديرة بالاهتمام والتقدير: تجربة الدنمارك التي كشف عنها مشروع مكافحة الإرهاب (Counter Extremism Project)  في تقريره  الذي استعرض فيه خريطة التطرف في مختلف دول العالم وجهود مكافحتها.
فمنذ أوائل عام 2014، والشرطة الدنماركية لا سيما في مدينة “آرهوس” وخدمات الرعاية التابعة لها، تُقدِّم برنامجًا لإعادة تأهيل المقاتلين الأجانب. ويعرف هذا البرنامج باسم: “برنامج الخروج للمواطنين الذين خضعوا للتطرف”. وتهدف هذه المبادرة إلى مساعدة المقاتلين العائدين  من أجل  الحصول على فرصة عمل، أو استئناف تعليمهم ومواصلة حياتهم بشكل طبيعي. وقد أطلقت الشرطة هذا البرنامج بعد أن اكتشفت أن حوالي 31 شخصًا من مدينة “آرهوس” سافروا للقتال مع التنظيمات الإرهابية في سوريا منذ عام 2012. أما عن آلية التعامل مع العائدين، فقد كشف تقرير مشروع مكافحة الإرهاب أنه بمجرد عودة المقاتل إلى الدنمارك، يخضع للفحص ممن الشرطة بمساعدة مصلحة الأمن والمخابرات الدنماركي (PET) لتحديد ما إذا كان هذا الشخص قد ارتكب جرائم أم لا، ثم تبدأ رحلة إعادة إدماجه في المجتمع، من خلال توفير فرص تعليم وإسكان ووظائف لهم.
وكان من بين الحالات التي نجح البرنامج في معالجتها وإعادة تأهيلها وإدماجها، شاب رفض الإفصاح عن هويته، وتناقلت العديد من وسائل الإعلام قصته، مع منحه اسمًا مستعارًا “جمال”! حيث تمكّن البرنامج من معالجته ضد الأفكار المتطرفة التي كان يعتقدها، وساعده على التحول عن الاندفاعات المتطرفة، من خلال احتوائه بدلًا من سجنه وتهديده وكيل الاتهامات له.  وفيما يلي نستعرض طرفًا من قصة هذا الشاب:
يقول الشاب إنه كان على أعتاب الدخول في سلك الإرهاب؛ لا سيما بعد أن انتقل والداه – وهما صوماليان- إلى الدنمارك حينما كان صبيًّا، ووفَّرا له ما يحتاجه للحصول على فرصة جيدة من التعليم. ولم يكن اندماجه في المجتمع مشكلة؛ فلديه العديد من الأصدقاء الدنماركيين، كما أنه استطاع الابتعاد عن القلاقل والتوترات الاجتماعية، التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وطالت عواقبُها الوخيمة المجتمع المسلم.  وفي يوم من الأيام حضر نقاشًا في المدرسة يتناول الدين الإسلامي. وقامت طالبة وهاجمت دينه  وأهانته، الأمر الذي دعاه إلى الردِّ عليها بطريقة غير ملائمة. فقامت الطالبة بالشكوى إلى مدير المدرسة الذي اتصل بالشرطة التي طلبت “بدورها هذا الشاب للاستجواب.
وعند الشرطة، كانت المعالجة النمطية الصلبة، فقد وجَّه إليه رجال الشرطة الاتهامات، وأعربوا عن تخوفهم مما يضمره بداخله، وأنهم تساورهم الشكوك في سلوكه العدواني الذي ربما سيدفعه يومًا إلى تفجير نفسه. كما قامت الشرطة بتفتيش منزله، مما دفعه إلى الشعور بأنه جلب العار بذلك لوالديه. ولم يدخل “جمال” امتحانات الالتحاق بالجامعة، قائلًا: “لم أستطع مغادرة المنزل، فكل ما كنت أفكر فيه هي الأماكن المظلمة التي قد أذهب إليها في معتقل جوانتانامو”. ولم تعثر الشرطة وقتها على أيِّ شيء في منزله.  وفي وسط كل هذه الظروف، ماتت أمه بسبب نوبة قلبية، ولام هذا الشاب نفسه في موتها بسبب الضغوط التي سبَّبها لها.  وعندما لم يُسمح له بدخول الامتحان مرة أخرى شعر بأن المجتمع ينبذه، وعندئذ بدأ يتعرف على مجموعة من الشباب الذي رحَّبوا به، وتحول حديثهم معه شيئًا فشيئًا إلى القتال والحرب.
لقد بدأ هذا الشاب يشعر وكأنَّه مجرم أو إرهابي حقيقي على الرغم من أنه لم يخرق القانون، وبدأ يبحث عن الشباب الذين يشاركونه نفس مشاعر الانعزال! ليستمعوا إلى خطابات التطرف والمتطرفين عبر الإنترنت ويتحدثوا عن الجهاد! وبعد ذلك خطَّطوا لمغادرة الدنمارك والسفر إلى باكستان.  يقول: “قلت في نفسي: بما أنهم يعاملونني كإرهابي، ويريدونني كذلك، فسوف يجدون ما يطلبون.” وكان من بين ما ذكره أيضًا، أنه لم يستطع نسيان الطريقة التي يتحدث بها غير المسلمين عن الإسلام والمسلمين، يقصد خطابهم السياسي، حيث يرى أن هذا الخطاب مسئول عن مشاعر التمييز والانعزالية (مفهوم الآخر) المتزايدة بين الشباب المسلم. ويصرّح: ” هذا الشعور بالطرد والاستبعاد، أوقد في نفسي الرغبة في أن أصبح إرهابيًّا كما كان يريد المجتمع ويردد ذلك”.
وبينما كانت تلك الأفكار تدور في خاطره، اتصل به أحد رجال الشرطة ليغير كل شيء. وأثناء المكالمة، اعتذر له الضابط وأخبره أنه تم التعامل مع قضيته بشكل سيء، وعرض عليه أن يلتقي بمرشد أو معلم مسلم. شعر الشاب في بداية الأمر بالخوف والتردد من هذا العرض، لكنه في النهاية قرَّر قبول العرض. وبعد عدة لقاءات ومحادثات طويلة تناولا فيها الصعوبات التي تواجهه كمسلم في الدنمارك، بدأ جمال في إعادة النظر في آرائه.
كانت هذه هي قصة الشاب الدنماركي بإيجاز. كل ما في الأمر أن شخصًا تواصل مع شابٍّ بدأ يسلك أولى خطوات التطرف، وأبدى تعاطفه معه وتفهمه لما يمر به، ثم هيأ له مَنْ يُصحح له الخلل، ويوضح له حقائق الأمور. في حالة هذا الشاب، كانت الاستجابة التأديبية والأمنية السريعة من السلطات، والقائمة على الشكِّ والافتراضات، هي ما دفعته نحو التطرف؛ وكان ما حوّله عن التطرف هو توفر مَنْ يمد له يد العون، ويزيل ما علق بعقله من أوهام.
إذن، فالقوة الناعمة في مكافحة التطرف تقوم بالأساس على:
•    تقديم المساعدة للشباب والمراهقين، بدلًا من معاملتهم كمجرمين، وبطريقة وحشية لا تزيدهم إلا شعورًا بالعزلة، وتحيلهم إلى عناصر خطرة تهدد المجتمعات.
•    الاستماع إلى مشكلاتهم بحرص، وإفساح المجال لهم، للحديث بكل شفافية للتعرف على ما يدور في عقولهم من غير ترهيب أو تهديد.
•    التوقف فورًا عن الخطابات الإقصائية والعدوانية التي تطال من دينهم وهويتهم.
•    فتح قنوات اتصال بينهم وبين المؤهلين علميًّا وفكريًّا ودينيًّا؛ لتبادل الرؤى والأفكار، وطرح المقترحات بما يخدم عملية إدماجهم داخل المجتمعات.

الإمام الأكبر يستقبل سفير استراليا بمقر مشيخة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى