د. نادية حلمى تكتب: الإتهامات المتبادلة بين بوتين والمجتمع الدولى حول التدخل الروسى فى سوريا

جاءت إستضافة الباحثة المصرية فى التلفزيون الإماراتى للحديث عن تقرير روسى يوثق إنتهاكات روسية فى سوريا. وتعد هذه أول مرة يصدر تقرير حقوقى من داخل موسكو ذاتها لإنتقاد التدخل الروسى فى سوريا. وبعد تبادل الإتهامات السابقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من القوى الإقليمية والعالمية حول جدوى التدخل وحدوث إنتهاكات روسية فى سوريا، لذلك، جاءت دعوة مبعوث الرئيس الروسى إلى سوريا (ألكسندر لافرينتيف)، للتأكيد على إستعداد الجانب الروسى لإجراء حوار مع الولايات المتحدة حول سوريا، كما جاء تأكيد (لافرينتيف) فى الوقت ذاته، بأنهم فى روسيا: “مستعدون للحوار ومناقشة مختلف الموضوعات، وإتخاذ القرارات والتوافق، ولكن بناء على المعطيات التى تملكها روسيا، يبدو لهم أن الأمريكيين ليسوا مستعدين لذلك”. وبعد الدعوة لإجراء مناقشات حول الشأن السورى تسمى (مناقشات نور سلطان) دعا المبعوث الروسى فى سوريا الجانب الأمريكى للمشاركة فيها، وبعد الإحجام الأمريكى على الحضور فى تلك المناقشات التى تتبناها روسيا كمراقب، أعلنت روسيا بأن “موسكو ترى أن مشاركة الولايات المتحدة فى مناقشات نور سلطان كمراقب مفيدة، إلا أن واشنطن مازالت تقاطع هذه الصيغة”.

ومن هنا جاء إنتقاد مبعوث الرئيس “بوتين” فى سوريا، السيد/ لافرينتيف، بقوله: “أعتقد أن هذا قرار خاطئ ، لأنه سيكون من الجيد أن يشاركنا الجانب الأمريكى فى هذه المسألة”، مؤكداً على أنه من غير الممكن الحديث عن وقف لإطلاق النار فى سوريا بسبب تصرفات الجماعات الإرهابية.

ونلاحظ هنا الإصرار الروسى على وصف حربها فى سوريا بجانب “بشار الأسد” بإعتبارها للدفاع عن الأراضى السورية ضد تغلغل الجماعات الإرهابية، وهو ما جاء فى تأكيد المبعوث الروسى، قائلاً: “لا يمكننا الآن الحديث عن وقف إطلاق النار، لأننا نضع فى الإعتبار ضرورة مواصلة مكافحة التنظيمات الإرهابية داخل العمق السورى”، وجاءت التأكيدات الروسية بأن إستقرار الوضع فى سوريا من حيث الإلتزام بوقف إطلاق النار على الرغم من وجود إستفزازات.

ورغم إستئناف جلسات اللجنة الدستورية السورية فى جنيف، فإن ذلك لم يسفر عن تغييرات عديدة فى الشأن السورى، سوى إجراءات بسيطة وبعض التعديلات فى عمل اللجنة الدستورية.

لذلك جاءت الرسالة الروسية إلى المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا (جير بيدرسون)، بأنه: “لابد من إستكمال المشاورات حول الشأن السورى بمشاركة روسيا”.

ونجد هنا التنافس والصراع الأمريكى- الروسى مشتعلاً داخل العمق السورى، خاصةً بعد إتهام الجانب الأمريكى بإختراق إحدى دوريات الشرطة العسكرية الروسية حاجزاً للجيش الأمريكى (شمال شرقى الحسكة)، وإتهمت واشنطن الجانب الروسى بإختراق إحدى دوريات الشرطة العسكرية الروسية حاجزاً للجيش الأمريكى، وذلك بعد محاولة مستميتة من الأخيرة لمنعها من المرور ضمن منطقة قريبة جداً من آبار وحقول النفط (شمال شرق الحسكة شرقى سوريا)، لتنتهى تلك المناوشة الأمريكية الروسية بعد مناورة روسية فريدة على علو أمتار فوق الحاجز الأمريكى.

وزاد إشتعال الموقف منذ فترة بين موسكو وواشنطن فى سوريا، بعد محاولة عدداً من المدرعات التابعة للقوات الأمريكية منع عدد من مدرعات الشرطة العسكرية الروسية التى كانت تجري دورية إعتيادية عند المثلث الحدودى “السورى – العراقى- التركى”، إلا أنها لم تفلح بذلك بعد تدخل المروحيات الروسية.

مع تأكيد روسيا فى الوقت ذاته بأن الجانب الأمريكى هو من إستغل الأمر فى المقام الأول، بإعلان روسيا بأن الجيش الأمريكى قد إعترض مدرعات تابعة للجيش الروسى كانت تقوم بدورية هى الأولى من نوعها بمحيط مدينة المالكية أقصى شمال شرق سوريا، وتحديداً بالقرب من قريتى “عرعور فوقانى” و “تل زيارات” على الطريق الواصل إلى محطة ضخ “تل عدس” النفطية والتى ينتشر فيها عدد كبير من آبار النفط التابعة لمديرية حقول نفط الرميلان الحكومية.

وأظهرت عدد من الفيديوهات، قيام إحدى المروحيات الروسية بإقتحام حاجز مشترك للجيش الأمريكى وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” الخاضعة له، بعد منع الدورية الروسية من إكمال طريقها، حيث تمكنت المروحية من إثارة عاصفة غبارية كبيرة بعد تحليقها على علو أمتار قليلة فوق الحاجز الأمريكي ولمدة دقيقة كاملة، فى مشهد فريد أسفر فى نهايته عن إنكفاء جنود الجيش الأمريكى والمسلحين الموالين لهم، وفتح الطريق أمام الدورية الروسية التى عادت عبر طريق “المالكية – القامشلى” إلى قاعدتها فى مطار القامشلى الدولى.

وكانت سوريا محطة حقيقية للتنافس والصراع والمناوشات بين الجيشين الروسى والأمريكى، بعد أن كانت دورية مؤلفة من عدة عربات عسكرية برفقة القوات الروسية فى منطقة (بريف المالكية) عند الحدود السورية – التركية فى أقصى شمال شرق الحسكة، تزامناً مع قيام دورية أمريكية بالتمركز على الطريق الواصل بين (بلدة المالكية ورميلان)، وذلك بهدف إعتراض الدوريات الروسية فى حال توجهها إلى معبر “سيمالكا” الحدودى مع إقليم شمال العراق.

ويتمسك الطرفان الأمريكى والروسى بالحل فى سوريا من وجهة نظر مختلفة، وهو ما أعلنه وزير الخارجية الروسى (سيرغى لافروف)، بأن “الملفات المتعلقة بالأزمة السورية يجب حلها على أساس وحقائق ملموسة، فيما أن ما يسمى باللجنة المستقلة المعنية بسوريا لا تستجيب لهذا المعيار”.
وجاء تصريح “لافروف” خلال مؤتمر صحفى إفتراضى فى معرض تعليقه على ما وصفها بأنها مزاعم صدرت عن (لجنة الأمم المتحدة للتحقيق المعنية بسوريا)، حيث إتهمت لجنة الأمم المتحدة كلاً من (القوات الحكومية السورية، القوات الروسية) بإرتكاب جرائم “قد ترقى إلى جرائم حرب” فى شمال سوريا.

وهو ما دعا وزير الخارجية الروسى بذاته للرد عليها، وأكد “لافروف” إلى “أن اللجنة “التى تطلق على نفسها لجنة التحقيق المستقلة”، لم يتم إنشاؤها بقرار إجماعى، وأن تفويضها فضلاً عن أساليب عملها، يثير العديد من الأسئلة”.

كما جاء دفاع المندوب الروسى الدائم لدى الأمم المتحدة “فاسيلى نيبينزيا” ضد تلك الإتهامات الموجهة ضد بلاده فى سوريا، وحظيت التقارير الإعلامية الروسية بإتهامات لأطراف عديدة، مؤكدة بأن “إتهام موسكو بإرتكاب جرائم حرب فى سوريا هى جزء من حرب إعلامية ضد روسيا”، وجاء دفاع “فاسيلى نيبينزيا”، بأن: “قرار إنشاء هذه اللجنة لتوثيق الإتهامات ضد روسيا تم تمريره من قبل الدول الغربية بالدرجة الأولى، وهى لا تخفى ذلك، حيث جرى من خلال التصويت فى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على تشكيل آلية لها هدف محدد مسبقاً وهو البحث عن مستمسكات ضد دمشق ومن يصفونهم بحلفاء دمشق”.

ولكن وفقاَ للدفاع الروسى فأن “تلك اللجنة الأممية لم تذهب ولو مرة واحدة إلى محافظة إدلب، وأنها تستند عند جمع المعلومات إلى التقارير الواردة فى شبكات التواصل الإجتماعى وبعض المصادر التى تطلب عدم الإفصاح عن هويتها “لإعتبارات أمنية وللحفاظ على سلامتها”.

وخرج وزير الخارجية الروسى “لافروف” معلناً: “تنطلق روسيا من الحاجة الإستثنائية إلى حل وبحث أى قضايا تتعلق بالنزاع السورى وأى نزاع آخر، على أساس حقائق محددة وملموسة فقط، على أساس تقديم المعلومات التى يمكن للجهة المعنية تحمل المسؤولية عن صحتها. وهذه اللجنة المستقلة لا تتحمل المسؤولية عن تصريحاتها، وهذا أمر تم إثباته أكثر من مرة”.

وهذه ليست المرة الأولى التي توجه فيها (لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا) إتهامات لروسيا “بارتكاب جرائم حرب” فى عدد من المحافظات السورية، وأكدت موسكو مراراً أن مثل هذه الإتهامات التى تعتمد على إفادات واهية، ليست إلا جزءاً من أساليب الحرب الإعلامية التى تخاض ضد روسيا.

ومن هنا نجد، أن الدولة السورية قد أصبحت محل تنافس لقوى دولية وإقليمية عديدة تسعى جميعها للبحث عن مصالحها، خاصةً فى تلك المناطق التى تزدحم بها آبار وحقول النفط شمال شرق الحسكة وغيرها من ثروات فى عمق الدولة السورية، ومازالت القرارات الأممية غير مفعلة، خاصةً مع إعلان الرئيس السورى “بشار الأسد” إجراءات الإنتخابات الرئاسية السورية فى موعدها يوم ٢٦ مايو ٢٠٢١، بعد إجراء الإنتخابات للمغتربين السوريين فى الخارج يوم ٢٠ مايو ٢٠٢١، ولكن كانت المفاجأة برفض عدد كبير من الدول الغربية تصويت المواطنين السوريين وحاملى الجنسية السورية على أراضيها فى تلك الإنتخابات السورية لعدم شرعيتها بتاتاً، ولأن ترسخ من شرعية نظام “بشار الأسد”، وهو ما رد عليه “بشار الأسد” وحليفته روسيا، بأن الدول الغربية يعارضون تلك الإستحقاقات الدستورية، ويتدخلون فى الشأن الداخلى السورى… لذلك نخلص، بأن الموقف السورى مازال مشتعلاً مع وجود ملايين النازحين واللاجئين السوريين فى الخارج وعالقين فى عدد من المخيمات الحدودية، وعدم تحرك المجتمع الدولى بجدية لحل كل تلك الأزمات والإشكاليات المترتبة على الحرب الدائرة فى سوريا منذ عشر أعوام، وبحث كل طرف عن مصالحه كما فهمنا من تحليل الصراع الأمريكى الروسى وغيرها.

كاتبة المقال: أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف- الخبيرة المصرية فى الشؤون السياسية الصينية والآسيوية

د. نادية حلمي تكتب قصيدة.. ذكريات العيد

 

زر الذهاب إلى الأعلى