د محمد رجب يكتب : علي صبري الرجل القوي في نظام جمال عبد الناصر

شارك في إنشاء جهاز المخابرات واقترح التنظيم الطليعي ومنظمة الشباب.. علاقتي بعلي صبري بدأت بسبب مشكلة بين الغول والإقطاعيين

لم يكن لي علاقة بعلي صبري الأمين العام للاتحاد الاشتراكي لكن صراعا في جنوب الوادي بمحافظة قنا بين الإقطاعيين وشباب الثورة جعلني على تواصل بالرجل القوي أكثر من مرة . طلب مني الدكتور مفيد شهاب الأمين العام لمنظمة الشباب بصفتي أمين التنظيم بالمنظمة أن أسافر لحل المشكلة . سألته عن الموضوع وتفاصيله . قال : شكا النواب أعضاء مجلس الأمة بدائرة نجع حمادي من مضايقات يتعرضون لها من أمين الشباب بالمركز ويدعى عبد الرحيم الغول . وأن الأمين العام للاتحاد الاشتراكي علي صبري طلب فصل أيمن الشباب حتى لا يتفاقم الصراع بين النواب وهما من الممثلين لمرحلة الإقطاع وما قبل الثورة وبين أمين الشباب وأنصاره من الشباب المناصر والمتحمس للثورة .

الثوريين المخلصين

قلت للدكتور مفيد : هل أسافر للتحقيق مع الغول , أم أسافر لكي أعدو بقرار فصله !! لو أنني سافرت إلى قنا للتحقيق سأعود وعمي صورة من الحقيقة سواء كانت هذه الصورة مع أو ضد الغول , أما إذا كان هناك قرار مسبق بفصله , فما الداعي لسفري إلى قنا . كنت مسئولا عن الشباب في الصعيد وأنا من رشح الغول لموقع أمين الشباب وكنت أعرف أنه من الثوريين المخلصين واستطاع أن يجمع حوله الشباب ويشكل بهم قوة في مواجهة فلول الإقطاع .

عبد الرحيم الغول
عبد الرحيم الغول

قال د. مفيد هذه تعليمات الأمين العام , لو أردت مناقشته , اذهب إليه لكي تناقشه . كانت المنظمة تعاني بعد نكسة يونيو من هجوم غير مبرر من قيادات كبار في الدولة والتنظيم السياسي انعكست آثاره في المضايقات التي تعرضت لها واستمرت سنوات حتى أضعفتها وذبلت حيويتها وانهارت . بالفعل توجهت إلى مكتب علي صبري الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية في نفس الوقت . عندما طلبت من مدير مكتبه مقابلة الأمين العام سمح لي الرجل بالدخول على الفور بدون انتظار أو تعطيل . استقبلني علي صبري ببشاشة ورحب بي وعرف سبب مجيئي لمكتبه فسألني : ما رأيك في هذا الموضوع . قلت : إذا كان قراركم بفصله مسبقا , فلتفصلوه , ولن يكون هناك سبب لسفري للتحقيق معه , أما إذا سافرت للتحقيق فيجب أن نلتزم بنتيجة التحقيق . قال علي صبري : كلامك منطقي وصحيح , ليكن كذلك .

سافرت إلى قنا وذهبت إلى مركز نجع حمادي فوجدت عبد الرحيم الغول شعلة نشاط وحيوية يجتمع حوله الشباب وكان له قدرات خطابية حماسية واستغل ذلك في مهاجمة الإقطاعيين الذين نهبوا الأرض وجعلوا غالبية الناس أجراء .

صراعات فوقية

أمضيت في نجع حمادي أياما تجولت خلالها وقابلت العديد من الناس فوجدت أن شعبية عبد الرحيم طاغية لكن توازن القوى لم يكن في صالحه تماما أن صوت النواب كان عاليا في تلك الفترة بعد النكسة واستهداف المنظمة ضمن صراعات فوقية بين كبار القيادات . وأدركت أن التعاون بين الطرفين غير وارد مهما كانت جهودي التي أبذلها . كنت أمام أحد اختيارين , إما أن أطلب فصله حسب توجيهات القاهرة وفي هذه الحالة سيتم التنكيل به خاصة أنه كان يعمل في وظيفة بسيطة في مركز الشرطة , أو أتصرف في اتجاه آخر مختلف . بالفعل قررت أن أنقل الغول من موقع أمين شباب المركز وضمه إلى أمانة تنظيم الشباب بالقاهرة لكن هذا النقل سيكون ورقيا لأنه من الصعب أن ينتقل ليعيش بالقاهرة كما أن ليس له دور فاعل أو مطلوب في الأمانة العامة , في نفس الوقت سيكون مقيما في نجع حمادي ويمارس دورا مساعدا لي وبالتالي تبرد حدة الصراع ويبقى الغول محتفظا بسلطة تحميه ويمارس في نفس الوقت دورا جماهيريا كان مطلوبا في تلك المرحلة .

علي صبري
علي صبري

كان في ذهني أمر آخر إذا ما تم فصل الغول , أن ينتقل إلى الشباب المتحمس شعور بالإحباط عندما يرون قائدهم تم الإطاحة به لأنه تجرأ وأعلن رأيه ومواقفه من الوضع في الدائرة وهو ما سيؤدي إلى إحجام الشباب عن المشاركة في العمل السياسي وتراجعهم عن مواقفهم الحماسية المؤيدة للثورة .

أبلغت الغول برأيي لمعالجة المشكلة والصراع بينه وبين الإقطاعيين لكنه رفض رفضا قاطعا أن ينفذ اقتراحي وقال : ماذا أفعل في القاهرة ؟ هنا حياتي وأهلي ومستقبلي . قلت له سأختار أمين الشباب الذي سيحل محلك من نفس عائلتك ويكون لقبه الغول أيضا تأكيدا لمساندتك في مواقفك . لكن عبد الرحيم رفض وسافرت إلى القاهرة بالقطار فلحق بي ومعه عشرات المطالب والشكاوى من أهل الدائرة لكي أقوم بحلها في القاهرة وكان خلال زيارتي لا يترك فرصة إلا ويحمل لي عشرات أخرى من الشكاوى حتى صار عددها بالمئات .

عرضت على الدكتور مفيد شهاب أمين عام المنظمة ما توصلت إليه من رأي وحل للمشكلة لكنه رفض هذا الحل التوفيقي وقال لي : روح لعلي صبري وقل له الكلام ده . فعلا ذهبت إلى الأمين العام الذي رحب بي وطلب أن يقدم لي القهوة واستمع لي منصتا وفي النهاية وافق على ما عرضته عليه بشأن الصراع بين الإقطاعيين والغول وهو ما تم تنفيذه بالفعل .

مرت أسابيع وبعدها اتصل بي عبد الرحيم الغول يبلغني أن قرر الترشح في الانتخابات , اعتقدت أنه يقصد انتخابات المحليات فقلت له : انتخابات المحليات لم يحن وقتها بعد لكنه قال لي إنه سيرشح لانتخابات مجلس الأمة , ناقشته في الأمر على اعتبار أن المسألة ليست بالسهولة التي يتصورها لكنه كان واثقا من الفوز وقد حزم أمره وقرر خوض الانتخابات وخاضها بالفعل بخطاب حماسي وسانده الشباب وفاز بالفعل من الجولة الأولى .

الضباط الأحرار

كان علي صبري أحد الضباط الأحرار ومن أقربهم إلى جمال عبد الناصر . استفاد ناصر من علاقة علي صبري بالملحق العسكري الأمريكي فكلفه بأن ينقل إليه أن الثورة ليست ضد الأمريكان , كما طلب منه أن يتفاوض لكي تحصل مصر على السلاح الأمريكي . بالفعل سافر صبري إلى أمريكا وأمضى شهرا كاملا وعندما عاد أبلغ ناصر أن الأمريكان لم يسمحوا إلا ببعض الأسلحة الاستعراضية التي ليست ذات فاعلية ولا ترقى إلى مستوى الأسلحة الدفاعية وهو ما جعل ناصر يعيد حساباته ويفكر في التعامل مع هذا الموقف وهو أمر ترتب عليه نتائج عديدة في المنطقة .

الزعيم جمال عبد الناصر
الزعيم جمال عبد الناصر

كان صبري محل ثقة ناصر وقريبا من عقله فكان أحد المكلفين بإنشاء جهاز المخابرات العامة وعما مديرا لمكتب ناصر وشغل منصب الوزير أكثر من مرة في وزارات عدة كما رأس الوزارة عندما قرر ناصر تنفيذ المشروعات القومية والخطط الخمسية التي كان صبري أول من طبقها فزادت من إجمالي الناتج المحلي ومن معدل النمو . كان صبري صاحب عقلية تنظيمية متميزة كما كان يملك رؤية سياسية سليمة وكان من مبادئه أن أي عمل سياسي ناجح لابد أن يستند إلى عمل تنظيمي كفء . وصبري صاحب فكرة إنشاء التنظيم الطليعي بالاتحاد الاشتراكي وإنشاء منظمة الشباب لإعداد الكوادر السياسية .

اكتسب علي صبري عداء السادات المطلق , فقد كان يرى أن صبري حصل على ما لا يستحق من مناصب ونفوذ بينما لم يكن عضوا بمجلس قيادة الثورة , على عكس السادات , كما كان السادات يشعر بالغيرة من القبول الذي يحظى به علي صبري من الجميع بمن فيهم جمال عبد الناصر . زاد من الجفاء بني صبري وناصر ما حدث في انتخابات اللجنة التنفيذية للاتحاد الاشتراكي . كان ناصر قد قرر بعد النكسة أن يعيد بناء الاتحاد الاشتراكي عن طريق الانتخاب من القاعدة إلى القمة وعندما وصلت مراحل الانتخابات إلى المستوى العلى وهو اللجنة التنفيذية كان المطلوب انتخاب عشرة أعضاء في حين أن المرشحين كان عددهم عشرين من كبار الشخصيات ومنهم أنور السادات وزكريا محيي الدين وعلي صبري والدكتور محمود فوزي وعبد المحسن أبو النور وضياء الدين داود وخالد محيي الدين وآخرون . فوضت اللجنة المركزية جمال عبد الناصر لاختيار أعضاء اللجنة التنفيذية العليا . بعد أسبوعين عادت اللجنة المركزية للانعقاد لتلقي قرار ناصر باختياراته لكن أبلغ ناصر اللجنة أنه تعذر عليه تحديد أعضاء اللجنة التنفيذية , لذلك هو يعيد التفويض للجنة المركزية لانتخاب أعضاء اللجنة التنفيذية . بدأت إجراءات العملية الانتخابية واستشعر ناصر أن هناك رفضا لانتخاب السادات فقام بلقاء أعضاء اللجنة المركزية في كل محافظة وطلب منهم انتخاب السادات ضمن أعضاء اللجنة التنفيذية .

الرئيس السادات
الرئيس السادات

ظهرت نتيجة الانتخابات وحصل علي صبري على أعلى الأصوات بينما لم يحصل على الأصوات المؤهلة لعضوية اللجنة التنفيذية سوى ثمانية مرشحين فقط وكان السادات آخر الأعضاء الحاصلين على النصاب القانوني . لم ينسى السادات لعلي صبري هذه الواقعة التي ربما اعتقد أنه كان وراء عدم حصوله على أصوات تناسب وضعه السياسي .

إعداد الدولة للمعركة

كان ناصر قد شكل لجنة يرأسها بنفسه تقوم بإعداد الدولة للمعركة بجانب الاستعداد العسكري الذي تقوم به القوات المسلحة . ضمت اللجنة عبد المحسن أبو النور الأمين العام للاتحاد الاشتراكي وحمود رياض وزير الخارجية ومحمد فوزي وزير الحربية وشعراوي جمعة وزير الداخلية وسامي شرف مدير مكتب الرئيس . من جهة أخرى منح ناصر علي صبري رتبة فريق جوي باعتباره كان طيارا وكلفه بمسئولية إعداد سلاحي الطيران والدفاع الجوي للمعركة كما كلفه بأن يكون ضابط الاتصال مع الاتحاد السوفيتي وعليه أن يوفر من خلال الاتفاقيات مع السوفيت الأسلحة اللازمة للمعركة .

مرت الأيام ورحل جمال عبد الناصر وكان علي صبري نائبا لرئيس الجمهورية وكان سامي شرف مديرا لمكتب الرئيس السادات أيضا كما كان أيام عبد الناصر , وذات يوم دق جرس التليفون في مكتب شرف وكان على الطرف الآخر الرئيس السادات الذي أبلغه بأن يٌنشر خبر في صحف اليوم التالي بعبارة مقتضبة تفيد بأنه تم إقالة علي صبري نائب رئيس الجمهورية من جميع مناصبه التنفيذية والسياسية . سأله سامي شرف إن كان يستبدل كلمة إقالة بكلمة استقالة فرفض السادات , فحاول شرف أن تكون الكلمة إعفاء بدلا من إقالة فرفض السادات أيضا . قصد السادات أن يكون قرار الإقالة في اليوم التالي للاحتفال بعيد العمال في أول مايو 1971 والذي هدد فيه بأنه لن يسمح بوجود مراكز قوى , كما قصد أن تصل رسالته للجميع بأنه يمسك بزمام الأمور تماما .

كانت الخطوات التي اتخذها السادات تنبئ بما دبره وحدث بالفعل في 15 مايو 1971 واطلق عليه ثورة التصحيح . تتابعت خطوات السادات فقام بحل جميع المؤسسات التي أقامها عبد الناصر وحل النقابات المهنية والعمالية والجمعيات والاتحادات وأصدر ورقة أسماها ورقة أكتوبر وألغى كل وثائق ثورة يوليو _ فلسفة الثورة _ ميثاق العمل الوطني _ بيان 30 مارس وهو البيان الذي كان يمثل خريطة الطريق لإعادة بناء الدولة وغزالة آثار العدوان .

كانت تحركات السادات تلك هي البداية للتعامل مع الغرب والأمريكان وبعد أن رفع شعار أن 99% من أوراق اللعبة في أيدي الأمريكان كان قد سلم بأن بعدم قدرة مصر على عمل أي شئ وهو الأمر الذي كان له صدى في جلسات مباحثات السلام وفض الاشتباك وغير ذلك حيث أهدر قيمة نصر أكتوبر التي حققها الجيش المصري ووافق على شروط إسرائيل في اتفاقية السلام .

رجال الحكم الناصريين

كان علي صبري ومجموعة رجال الحكم الناصريين عائق أمام انفراد السادات بالسلطة واتخاذ قرارات أضرت بالمصلحة العليا لمصر . بعد وفاة عبد الناصر دبر السادات لانقلاب 15 مايو وقبض على كبار قيادات الدولة ومنهم علي صبري وشعراوي جمعة ومحمد فوزي وسامي شرف وعشرات آخرين وأحالهم للنائب العام بتهمة الخيانة العظمى بعدما اشتركوا في محاولة لقلب نظام الحكم . عبد شهور من التحقيقات أبلغه النائب العام أنه لم يجد أي دليل على تأكيد اتهامهم بالخيانة العظمي . لم يسكت السادات عند ما قاله النائب العام , فأوكل إلى الدكتور مصطفى أبو زيد فهمي مسئولية تولي القضية . كان فهمي أستاذ للقانون بجامعة الإسكندرية وعضوا باللجنة المركزية وكان له مواقف مؤيدة للسادات , وقد عينه السادات كمكافأة على مواقفه المساندة له _ مدعي عام اشتراكي _ وهو منصب يتولى المحاكمات السياسية بعيدا عن القانون الطبيعي . تم تشكيل محكمة سياسية برئاسة حافظ بدوي رئيس مجلس الشعب فأجرت محاكمة صورية وأصدرت أحكاما بالإعدام على الخمسة الكبار ومنهم علي صبري , وخفف السادات الحكم إلى السجن المؤبد . بعد أن قضى هؤلاء القادة 10 سنوات في السجن أفرج عنهم بعد تدخلات مصرية وعربية .

الدكتور مفيد شهاب

كانت هذه ظروف تعارفي بعلي صبري الذي قابلته للمرة الثالثة عندما كنت مسئولا سياسيا عن معهد حلوان وجاء علي صبري لكي يلتقي بالشباب لكنه في تلك المرة كان قد وصل في موكب رسمي يحيط به رجال يرتدون الحلل السوداء ويضعون على أعينهم النظارات التي تخفي مشاعرهم وكان سلاما وتحية بروتوكولية لكن وجهه كان يحمل نفس البشاشة التي وجدته عليها في مكتبه . كان صبري قيادة وطنية صاحب رؤية سياسية وتنظيمية راقية وأحد أفضل رجال جمال عبد الناصر .

كاتب المقال : المستشار السياسي لرئيس حزب الحركة الوطنية المصرية وزعيم الاغلبية الاسبق بمجلس الشوري

اقرأ أيضا.. د محمد رجب يكتب : كرباج كمال الشاذلي .. بعبع النواب وفزاعة الوزراء .. كان يدير البرلمان بحاجبه

زر الذهاب إلى الأعلى